Languages:       English   |     Française  
الكشوفات العلمية البحوث الإنسانية الكتب الصادرة البرامج المرئية البرامج الصوتية قضية للحوار الصدى الإعلامي
الرئيسية » قضية للحوار » هل وقع تأثير السحر على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
مشاركة   أرسل إلى صديق   حفظ   طباعة
هل وقع تأثير السحر على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ورد في كتب التفسير وكتب الحديث، أن سبب نزول المعوذتين قصة (لبيْد بن الأعصم) الذي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة، وجف قشر الطلع، طلعةٍ ذكر ووتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغروز بالإبر، فأنزلت عليه صلى الله عليه وسلم المعوذتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد في نفسه خفة صلى الله عليه وسلم، حتى انحلت العقدة الأخيرة، فقام كأنما نشط من عقال، وأنه خلال مرضه هذا لا يدري (على حدِّ زعم تلك الروايات) هل كان الشيطان يدخل على نسائه الطاهرات أم لا يدخل!

هذا الزعم عن (سحره) صلى الله عليه وسلم ورد في كتاب البخاري، وفي تفسير الجلالين برواية (لبيد اليهودي)، وغيره من التفاسير. فما صحَّة هذه الرواية؟!
------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

الجواب:

يتضمن البحث النقاط الرئيسية التالية:

ـ بطلان صحة رواية سحر الرسول بالأدلة القرآنية.

ـ معنى كلمة (المحراب).

ـ كيف ألقى الشيطان في أمنية الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

ـ كيف يكون (نزغ الشيطان) وعلى من يقع؟

ـ الاستعاذة بالله بمعيَّة رسوله صلى الله عليه وسلم محرقة الشيطان، وبها هزيمته، وبها جنّة الإنسان المؤمن المستأنس بربه.


ـ الالتجاء إلى ربِّ الفلق يخلِّصنا من شرِّ النفَّاثات في العقد: فما هي النفاثات؟ وما هي العقد؟

ـ كيف ينبعث الأذى من الساحر إلى المسحور، وكيف تستطيع النفاثات التأثير على أحد الأشخاص؟

ـ كيف خُيِّل إلى سيدنا موسى عليه السلام أن حبال السحرة وعصيهم (أنها تسعى)؟!

ـ كيف ولى سيدنا موسى عليه السلام مدبراً ولم يعقب عندما ألقى عصاه فرآها كأنها جان؟!

ـ كيف مسَّ الشيطان سيدنا أيوب عليه السلام؟!

ـ كيف استطاع الشيطان أن يتوصَّل إلى إلقاء وساوسه إلى سيدنا آدم؟



بطلان صحة رواية سحر الرسول بالأدلة القرآنية

ورد في كتب التفسير وكتب الحديث، أن سبب نزول المعوذتين قصة (لبيْد بن الأعصم) الذي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة، وجف قشر الطلع، طلعةٍ ذكر ووتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغروز بالإبر، فأنزلت عليه صلى الله عليه وسلم المعوذتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد في نفسه خفة صلى الله عليه وسلم، حتى انحلت العقدة الأخيرة، فقام كأنما نشط من عقال، وأنه خلال مرضه هذا لا يدري، على حدِّ زعمهم، هل كان الشيطان يدخل على نسائه الطاهرات أم لا يدخل، هذا الزعم عن (سحره) صلى الله عليه وسلم ورد في البخاري، وفي تفسير الجلالين برواية (لبيد اليهودي)، وغيره من التفاسير المدسوس عليها. فما صحَّة هذه الرواية؟!

نقول: هذه الرواية الشيطانية الخبيثة الإفك تقول أن الشيطان كان يدخل على نسائه الطاهرات المطهَّرات، بل بلغت بهم صفاقة الوجه في رواياتهم أنه صلى الله عليه وسلم بقي تحت تأثير السحر وشياطينه /18/ شهراً، فهل انقطع الوحي بهذه المدة؟!

أما قال تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} سورة التكوير (25).

أفكان الوحي شيطانياً؟! وهو طعن بالقرآن العظيم بأنه من وحي الشياطين، وذلك قول مشركي مكة الحاسدين الحاقدين: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا} سورة الإسراء (47).

وقد تبعهم العميان المقطوعين عن الله، ولكن الشياطين تتنزل على أمثالهم، قال تعالى:

{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} سورة الشعراء (221-222).

وما الأفّاك الأثيم إلا امرؤ متحوِّل عن طريق الحق، مصرٌّ على حب الدنيا الدنيّة وشهواتها المنحطة، فهل يليق هذا بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!! فيصمونه بهذه الصفة الشيطانية، وهو أكمل الخلق، الذي شهد الله سبحانه وتعالى بكماله، وهو هادي العالمين إلى الصراط المستقيم!

قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} سورة النجم (1-5).

فهو صلى الله عليه وسلم ما ضلَّ وما غوى، وما نطق عن الهوى، إذ هو وحي يوحى من حضرة الله، لا يسبق ربه بالقول، وبأمره دوماً يعمل، وعلمه مباشرة من حضرة الله الذي بيده مقاليد السموات والأرض ومسيّرها بكمال الكمال، ثم هل تسكت قريش واليهود إن رأت نقيصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أفلا يقولون أن القرآن من وحي الشيطان إن كانت هذه الرواية المدسوسة صحيحة؟! عكس قول الله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} (210-211) سورة الشعراء.

فهل في عقول الداسين على رسول الله صلى الله عليه وسلم عماء؟! وهل في أفكار المضلِّين غباء؟! حتى أدخلوا هذه الدسوس من أن للشيطان على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلطان حتى يمرضه. مع أنه حقاً لا تستطيع الشياطين أبداً حضور مجالسه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} سورة الشعراء (212).

فهل بعد بيان الله بيان؟!

قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} سورة النحل (99-100).

فما دام الشيطان أخسأ من أن يكون له سلطان على مؤمن، ، بل يفر هارباً من عمر بن الخطاب: «يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غيره» التاج لجامع الأصول (ج3 ص311). وفي حديث آخر: «إنَّ الشيطان ليفرُّ منكَ يا عمر» رواه الترمذي رقم (3937).

فهل من المنطق أنَّ له سلطان على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! حاشا وكلاَّ.

فسلطان الشيطان على من يتولونه من الخبثاء وعلى المشركين، لا على رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الموحدين.

وأن الشيطان ذاته لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، ارتعدت فرائصه وفرَّ هارباً، قال تعالى في سورة الأنفال (48): {...فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}: لما رأى التأييد الإۤلهي للمؤمنين، فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم خليفة الله في أرضه وسفيره لخلقه؟!

صلى الله عليه وسلم: وكلمة (وسلم) أي: سلَّمه تعالى بديمومة إقباله عليه من كل شيطان مَـريد، ومن شرِّ كل مخلوق، بتحصُّنه برب الفلق وبرب الناس، وهو عليه السلام، والسلام تعني: الأمان من كل ذي شر...

بل العكس صحيح، رسول الله صلى الله عليه وسلم قاهرهم دوماً، قال تعالى: {...وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء...} سورة الحشر (6).

{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ...} سورة الزمر (36).

{...وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...} سورة المائدة (67).

صدق الله العظيم، وكفى بالله شاهداً على كذبهم فيما رووه.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «...نُصرت بالرعب مسيرة شهر...» سنن النسائي ج1.

والشيطان الأول إبليس عندما حاول الوسوسة لسيدنا آدم العظيم ليثبت أن آدم عليه السلام قد عصى ربه باء بالفشل والخسران، حيث لا يحيق المكر السيء إلا بأهله، فسيدنا آدم عليه السلام قد أصبحت له بدل الجنة الواحدة التي كان بها جنات، وإبليسْ بالشقاء يعيش، والنار مثوىً له.

فعندما رأى إبليس هذه النتيجة: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} سورة الحجر (39-42).

فها هو إبليس يرى خسارته باقترابه من عباد الله المخلَصين: أي الأنبياء، فيتجنبهم بذاته: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، ويقول الله تعالى أنه لا سلطان له حتى على المؤمنين: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}، الغاوين: وهم الذين لا يعملون تفكيرهم في السعي الحقيقي لمعرفة ربهم، والدنيا أغوتهم، فظنوا أن بها شيئاً، وعند الموت تنكشف الحقيقة بأنه لا شيء فيها، بل كان كله من الله عطاءً وفضلاً وإحساناً، فيعيشون في الحسرات والندامة، ثم مثواهم النار لتسلِّيهم عمَّا بهم من آلام جهنَّمية.

أفلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المخلَصين؟! وهو الذي اصطفاه تعالى لتبليغ رسالته، والله السميع العليم، فهو سميع لقوله صلى الله عليه وسلم، عليم بحاله وبنيَّته، فكلامه وحاله صلى الله عليه وسلم عال، لذلك اصطفاه الله تعالى لطهارته وعلوِّ نيَّته، ليرشد الخلق إلى الله، أفيقال عنه هذا القول الشنيع؟! ويقبله عميان القلوب!!

أوَ لم يقل تعالى في سورة النساء (147): {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا}: ما يفعل الله بعذابكم؟ لماذا يعذبكم؟!

خلقنا ليسعدنا دنيا وآخرة، لكن حيث النفس فيها ما فيها من علل، يسوق لنا هذه الشدائد لنرجع عن غيِّنا، فنتوب ونصلي لتطهر نفوسنا مما بها، وبما أن نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنقى نفس بمداومتها على ذكر الله وعدم انقطاعها أبداً، فحاشا أن يمكِّن مخلوقاً من الإنس أو الجن أن يمسَّه أو يلمسه صلى الله عليه وسلم بلمسة أذى، لالتجائه الكلي إلى الله، فكفاه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ...} سورة الزمر (36).

فمن كان الله معه، فمن ضده؟!

وفي سورة المائدة (67): {...وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...}: الله يعصمه، فلا أحد يستطيع الوصول إليه بأذى.

وقوله تعالى في سورة الجن (26-27): {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}: ملائكة يحفظونه من السوء، أو أي أذى من أيِّ مخلوق كان، لا من الإنس ولا من الجان.

في هذه الآية الكريمة في سورة الأعراف (195): {...قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ}: اعتماد من الرسول صلى الله عليه وسلم على الله تعالى بأنه هو الفعَّال وحده، وأنه صلى الله عليه وسلم طاهر لا يمكن لأحدٍ أن يتسلط عليه، فلا خلل ولا خطأ وقع منه حتى يتسلط عليه أحد، فلا حول ولا قوة إلا بالله وحده.

اسـمع إلى ما دسَّه الشــيطان
واستسلمت من جهلها العميان
قالــوا يهودٌ أفلحوا في ســــحره
قد جــاؤوا إفكــاً ظـاهـراً بهتــان
قـد أدرك الشــيطان شيئاً قالــه
في المخلَصين مـالــه ســلطان
ولَّى فِراراً من صحاب المصطفى
لا يقـتـرب إن لــم يجـد إنتــــان
معوِّذات حصــون قد حمانـا بهــا
لم يرتكب نـور الهـدى عصيـــان
فناسبُ الســحر حسودٌ حــاقدٌ
لا شــك فيه مـلحـدٌ خســـران

فمن فيه ذرة عقل لا يصدق أبداً تلك الرواية المدسوسة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الطبيب الإنساني الأول، طبيب القلوب قبل أن يكون طبيب الأجسام، فمن اعتصم به كفي من مكر الشياطين والسحرة، وحيثما حلَّ هذا المؤمن المعتصم بالله وبرسوله حلَّت بهم الخسارة وعدم الفلاح.

ومن تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأسد في آجامها تجم

صلى الله عليه وسلم بنوره العظيم والتجائه وعياذه بالله الكبير صار شمساً عظمى من شموس الحقائق، لا تماثلها شموس الكون قاطبةً، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} سورة الأحزاب (45-46).

فمن رأى طرفاً من عالي حقيقته، يدرك سفاهة ما قيل عنه وباطله، فكيف لشيطان أن يقترب منه صلى الله عليه وسلم؟!

والجـــنُّ تهتــفُ والأنــــوار ســاطعةٌ
والحق يظهرُ من معنىً ومن كلمِ
عَمُوا وصمُّوا فإعــلان البشـائر لـــم
تُسمع وبارقةُ الإنذار لــم تُشَــــمِ
من بعد ما أخـبر الأقــوامَ كاهنهــم
بــأن دينَهُــمُ المعـــوج لــم يـَقُــمِ
حتى غدا عن طريق الوحي منهزمٌ
من الشياطين يَقْفُو إثـرَ منهــــزمِ
وكيف يـــدركُ في الدنيـــا حقيقتــهُ
قوـمٌ نيـامٌ تَســلَّوا عنــه بالحُلُـــمِ

بل وبحالة السحر يدخل الشيطان بنفس الإنسان، ويسيطر على مشاعره وأحاسيسه وأفكاره وحتى أفعاله، فكيف لشيطان ضعيف، قبسٌ من نور الله يحرقه، أن يلج في مهبط التجليات الإۤلهية؟!‍

المؤمن يدرك حقيقة هذا الكلام، ولا يصدِّق تلك الرواية أبداً، لأنه يقيس الأمور على ذاته، فيجد أنه بمجرد صلاته على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره لله ينطرد عنه كل وسواس خناس، ويفشل ويندحر مِنْ حَوْلِه كل من حاك له وكاد من السحرة، قال تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} سورة الأعراف (201).
معنى كلمة (المحراب):

الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يحمي ويدافع عن المؤمنين، وهذا ما قصده تعالى بالمحراب، وهو: الحرب ضدَّ الشياطين، وردهم عن الذين من حوله من أتباعه الذين يستمعون الحق. ففي بداية أمرهم يأتي الشيطان، يحاول أن يوقعهم بالحرام ويقنطهم، يحاول أن يرمي الشكوك في قلوبهم، حتى يبتعدوا عن الرسول، وهنالك يتصدى له صلى الله عليه وسلم، ويدفعه عنهم بروحانيته النورانية الجليلة الجميلة، وهذه أمور لا تُرى بعين الرأس، بل أمور قلبية ترى بعين البصيرة.

قال تعالى في سورة آل عمران (39): {فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ}: وهكذا كان سيدنا زكريا في محرابه يحارب الشياطين، ويدفعهم عن أتباعه.

كما قال جلَّ وعلا: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} سورة مريم (11).

وقال تعالى في سورة ص (21): {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ}: وأيضاً سيدنا داود كان في المحراب، يحارب الشياطين المعتدين منهم ويحرقهم، أو يصدُّهم عن أتباعه المسلمين.

فكلمة (المحراب) أي: الحرب ضدَّ الشياطين وردهم عن الأتباع، كما تطلق لفظة المحراب على المكان الذي يختلي فيه الرسول ليقبل به على الله بالصلاة، وكل محراب للمؤمنين أنشئ للصلاة لدحر شرور الشياطين، قال تعالى في سورة التوبة (103): {...وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ...}: فبهذه الصلاة عليهم يغمرهم بنورانيته العظيمة، فيردُّ كيد كل شيطان مَريد عنهم، كما أن صلاته صلى الله عليه وسلم سكن لهم عن ميلهم إلى الشهوات الدنيئة، بما يغمرهم بصلاته عليهم بتجليات ربه القدسية، ما ينسيهم كل ميل إلا الميول الفاضلة العلوية لمبدع الكمال، وينبوع الجمال والجلال جلّ شأنه، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المنقذ، فأنى للشيطان أن يقترب منه؟! حاشا وكلا.

فَمِنْ وراء تلك الرواية المدسوسة (سحر النبي) والرواية الأخرى (تعلموا السحر ولا تعملوا به) سرت الأرواح الشريرة في أغلب بيوت المسلمين لتصديقهم بها، وكأنَّ لسان حالهم يقول: إذا كان النبي قد سُحِرَ فكيف لا نُسحر ونحن الأضعف؟!!

وغاب عنهم أن عملهم الرديء ونواياهم السيئة وسوء الظن بالله تعالى ورسوله الكريم جرَّ لهم الشيطان، ليزيدهم سوءاً وانحطاطاً وبُعداً عن طريق التوبة والفضيلة، والأوْلى بالمحدِّثين والمفسرين المسلمين في هذا العصر أن ينقِّحوا الكتب التي يُدرِّسونها ويتلونها على الناس، وأن يعرضوا ما يقرؤونه من الروايات على القرآن الكريم، فإن وافق فهو قول حق، وإن خالف كما في روايتي: سحر النبي صلى الله عليه وسلم وتعلَّموا السحر، أن يرموا بها عرض الحائط، وأن يحذِّروا المسلمين من تلك الروايات وأمثالها، ولعمر الحق تلك وظيفة العَالِم الحقيقي: أن يبين للناس كلام ربهم القرآن الكريم، وأن يعلمهم الحكمة من آياته والعبرة من قصصه، ويُدرِّسهم قوانينه وأنظمته، وأن التمسك به يُنجي، وتركه إلى غيره من كتب الدسوس يهلك. والآن قد يسَّر الله لنا رؤية الحق من الباطل والدسِّ من الصحيح بما تمَّ نشره من كتب العلاَّمة محمَّد أمين شيخو (قدِّس سره)، التي تبين لنا سُبل هداية الناس للصحيح، وتكفينا مشقة الرجوع إلى بطون الكتب لكشف الحقيقة.
كيف ألقى الشيطان في أمنية الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

ذلك حال الرسل والنبيين:

إذن كيف ألقى الشيطان في أمنية الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

لقد وصف لنا تعالى حال الرسل والنبيين عليهم الصلاة والسلام، أنه إذا أقبل الإنسان على الله اشتق الرحمة منه تعالى: وهذا حال النبيين لإقبالهم الدائم على الله، فمن رحمة النبي بالخلق يتمنى هدايتهم، قال تعالى في سورة الحج (52): {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى...}: هداية الخلق، لا يرسل الله الرسول إلا إذا تمنَّى الهداية، لما في نفسه من الحنان والرحمة والرأفة بالخلق بسبب إقباله، ولولا هذا الطلب العالي والأهلية لما كانت هذه الرسالة لسيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقد وصف الله تعالى رسوله بقوله: {...حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة.

فمتى أقبل الإنسان بقلبه على ربه اشتق الرحمة من الله، فرحمتُه بالخلق هذه تجعله يتمنى هدايتهم. فكل رسول ونبي تمنى هداية الخلق لما اكتسب بقلبه من حنان ورحمة على الخلق. فأمنيته صلى الله عليه وسلم قلوب الناس لهدايتهم وسعادتهم، كالأم الرحيمة لا تبغي من أبنائها إلا السلامة والسعادة، وحين يبدأ رسول الله بهداية الناس، يأتي الشيطان فيلقي الوساوس، قال تعالى في سورة الحج (52-53): {...أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ...}: في قلب الشخص الذي تمنى الرسول هدايتهُ. فالأمنية التي تمنَّاها رسول الله من هداية الخلق يأتي الشيطان فيلقي بوساوسه في قلوبهم: {...فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ...}: فالله تعالى يُري الرسول نسخة إلقاءات الشيطان ليرُدَّ عليها للمريد الصادق الذي يريه تعالى الحق بإقباله عليه جلَّ وعلا، فيشاهد حقيقة ما يلقي الشيطان: {...ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ...}: الرسول يبين بالمنطق فتزول الريَب، ويحلُّ محلَّها الحق والكمال والتأويل الحق في نفسه، و: {...ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ...}: النداء الحق في قلب الصادق الطالب للحق: {...وَاللَّهُ عَلِيمٌ...}: بالخلق: {...حَكِيمٌ}: يعطي كلاًّ ما يناسبه: لعلمه بصدق هذا الشخص ينسخ ما يلقي الشيطان. {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...}: ليخرج ما في نفوسهم من خبث، ثم يؤمنوا بعد التوبة الصادقة إثر العلاج. {...وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ...}: الذين لا تلين قلوبهم لذكر الله. {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: فالإنسان إذا فكَّر ببدايته ونهايته، وحاز العلم بلا إله إلا الله، يرى كلام الرسول حقاً من الله، ويعرف أن مجيء الشيطان خير ورحمة، فهو يوقظ المؤمن، ويُخرج الخبث من نفس البعيد المعرض، إن لم يفكِّر الإنسان فحالته صعبة جداً. دوماً ملك يناديك: انظر لأصلك... كنت نطفة تشكلت من الثمرة. المؤمن يخبت قلبه، يهدأ ويطمئن، فيستسلم لله ويرى كل فعله تعالى خير، ولا بدَّ أن يهديه لطريق الحق.

إذن: إن نيَّة الشيطان خبيثةٌ، لكن الله تعالى يُحوِّل ذلك بالخير، فيجعل ما يلقي الشيطان علاجاً للعلل النفسية الخبيثة: إذ يكونُ هذا الإلقاء سبباً لخروجِ ما في نفس هذا المعرِضِ المريض القلبِ، والبعيد عن الله القاسي القلبِ من خبثٍ فيقترفُ ما يقترفُ من آثامٍ ثمَّ المداواة، أي بعد خروجِ الخبثِ من نفوسِهِمْ يكونُ العلاجُ المرُّ والدواءُ. فعملُ الشيطان كالمسهِّل يُخرجُ الخبثَ منَ النفسِ المريضةِ.

إذنْ: فالنسخُ هوَ التصويرُ والتثبيتُ، وهنا ليثْبُت المؤمن وينهض للحقِّ بالحقِّ، ولِتفرغَ ساحة نفسِ المعرضِ الخبيثِ من خُبثِها، وبعدهُ يمكنُ العلاج.
كيف يكون (نزغ الشيطان) وعلى من يقع؟

أمَّا قوله تعالى في سورة الأعراف (200): {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: يراد بها المؤمن، إذ هي خطاب للمؤمن لا لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء المؤمنون كانوا يتمنون هداية قومهم عبدة الأصنام، ويجالسونهم لينصحوهم ويعلموهم الإيمان، وحيث لا جدوى لهم طالما هم مشركون لا يعرفون أنَّ الكل بيده تعالى، لذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبه المؤمنين الناصحين ما بيَّنه تعالى بالآيات الكريمة في سورة الأعراف (199): {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}: لا تتأثر منهم، فمن لا يؤمن هذا الإيمان دعه من فكرك، أعرض عنه بنفسك، لا تلوِّث نفسك به، انصحهم ولا تعلِّق قلبك بهم: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ...}: أيها المؤمن الطالب هداية الناس من هؤلاء الجاهلين بواسطة الشيطان: {...فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ...}: التجئ إلى الله: {...إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: سميع لقولك، عليم بحالك أيها المؤمن، قد يتكلمون معك، فارجع إلى الله من قولهم، وإن تجاسر أحد عليك فالله يرده عنك، التجئ إليه، هذا شأن المتقين في كل صقع وزمان، ويكون النزغ أيضاً: إمَّا بميل القلب المؤمن الصافي إلى أهل الوساوس والبعد، وهنالك تنطبع في مرآة النفس المؤمنة أحوال من تعلقت به، ومالت إليه، وما يسعه في مثل هذا الحال إلا أن يقطع صلته عن ذلك البعيد عن الله، ويشكر الله أن حفظه ونجَّاه، ويعوذ به من أحوال أهل البعد والجفاء، وإما أن تكون الوساوس ناشئة عن ميلٍ لشيء من الشهوات الدنيوية الدنية، فإنَّ القلب إذا استحسن شيئاً ومال إليه حلَّ فيه هذا الشيء، وصرفه عن الله ، قال تعالى في سورة الأحزاب (4): {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ...}: دنيا وآخرة، أي: رذيلة وجنّة لا تجتمعان بقلب، عندها يهرع إليه الشيطان، ويزين له هذه الشهوة طامعاً أن يوقع الإنسان فيها، ويبعده عن صلته بالله وإقباله عليه، غير أن المؤمن حينما يدنو منه الشيطان موسوساً يشعر بوساوسه ونزغه، ويشعر بالضيق القلبي والانقباض، وسرعان ما يتذكر وصية الله تعالى له، إذ يقول سبحانه في كتابه الكريم: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، وهنالك يلتجئ إلى الله تعالى مقبلاً عليه، فيتراجع الشيطان مندحراً خانساً، وتطهر النفس بإقبالها على ربها مما علق بها، وتسمو لدرجة أعلى مما كانت عليه سابقاً، قال تعالى في سورة الأعراف (201): {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}، فالتقوى غايتها أن تتذكر فتبصر ما في هذه الوسوسة من الشر، فتتباعد ولا تتبعها.

فكذلك جاء التوجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين في سورة فصلت: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} سورة فصلت (34-36).

{وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ...}: يا مؤمن. {...إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}: هنا قول الرسول الكريم للمؤمنين بدروسه العليَّة.

إذن: فمن يدل على الله تعالى بأنه هو السميع العليم؟ إنه الرسول صلى الله عليه وسلم، يرشد المؤمنين أثناء دعوتهم الناس إلى الحق وإرشادهم إلى الصراط المستقيم للاستعاذة بالله من الشيطان ونزغه، فكيف تكون هذه الاستعاذة؟ وما هي؟
الاستعاذة بالله بمعيَّة رسوله صلى الله عليه وسلم محرقة الشيطان، وبها هزيمته، وبها جنّة الإنسان المؤمن المستأنس بربه

ماذا تفعل الاستعاذة بالله؟

أمرنا الله تعالى أن نستعيذ به من الشيطان الرجيم عندما نريد أن نقرأ القرآن، لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} سورة النحل (98).

فما معنى الاستعاذة؟ وما معنى قولنا بالله؟!

ومن هو الشيطان؟ وما معنى الرجيم؟!

الاستعاذة: مصدر لفعل عاذ يعوذ، وأعوذ بمعنى: ألتجئ وأحتمي معتزاً مستجيراً بصاحب العزة والقوة، فيفرُّ الشيطان فزعاً مقهوراً مذلولاً خشية الاحتراق بالنور الإۤلهي المتوارد على قلب المؤمن الملتجئ لله المستعيذ به، ولا يكون الالتجاء والاحتماء إلا بقويٍّ عزيز الجانب، على وجه المثال نقول:

لو أن طفلاً كان يسير في الطريق، فلحق به عدو من إنسان أو حيوان يريد إيقاع السوء والأذى به، وفيما هو على أشد ما يكون من الخوف والذعر ألفى أباه قادماً نحوه:

أفَتراه والحالة هذه يلتجئ ويحتمي وإن شئت فقل: أيعوذ بغير أبيه؟ إنه يعوذ به لأنه يعلم حبَّه وإخلاصه وقوته، فهو يدفع عدوه عنه ويقضي عليه، وكذلك الإنسان المؤمن ما عليه إلا أن يعوذ بربه، ويقبل عليه بنفسه بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستنير استنارةً لا انفصام لها، هنالك يُحفظ ويوقى ويندفع عنه الشر والأذى، ويشتق به صلى الله عليه وسلم نوراً من الله (ونور ونار لا يجتمعان)، فيفر الشيطان عنه هارباً، وإلى النجاة بنفسه طالباً، قبل أن يحترق بنور أقوى من الشهاب الثاقب، نور الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويصاب برعب ويخنس فيه، ويبعد بعد المشرقين.

أما إذا كان الشيطان انتحارياً اقتحامياً مستميتاً على الشرِّ والأذى لمن اشتهى أذيَّته، فنور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المستنير به هذا المؤمن لا يلبث أن يحرقه حرْقاً، فيفارق الحياة إلى غير رجعة. قال تعالى في سورة الكوثر (2): {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}: يا محمد صلى الله عليه وسلم.

وإلى جانب ذلك كُلِّه يسمو ذلك المؤمن ويرقى بالاستعاذة.

ويكون له في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وفي صحبه الكرام، حينما ارتعدت فرائص الشيطان وفرَّ هارباً منهم في موقعة حنين، ونكص على عقبيه وقال: {...إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} سورة الأنفال (48).

والشيطان: هو ذلك البعيد عن الحق، المحترق الهالك حينما يقوم بمحاولة التعدي على المؤمنين: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سورة النحل (99).

وببعده عن طريق الحق أصابه الاحتراق والهلاك.

والرجيم: هو المرمي دوماً بالعذاب، لأنه مطرود من القرب من الله.

والرجيم أيضاً: هو الذي ينصب عليه البلاء والشقاء بصورة متمادية، وما أصابه البلاء والشقاء إلا ببعده عن الله لإجرامه وتعدِّيه وإعراضه. والبعد والإعراض عن الله سبب كل بلاء، ومصدر كل شقاء.

ومجمل قولنا: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، أي: أحتمي وأعتز بالمطاع الذي خضع لأمره كل شيء. أعوذ بالله من الشيطان الذي ببعده عن الحق صار معذباً دوماً ومحروماً من كل خير.

فإذا التجأت بنفسك إلى الله عند قراءة القرآن بعد أن آمنت بالله إيماناً منبعثاً من نفسك، وأحببت بما فيك من كمال رسول الله، ودخلت بمعيته صلى الله عليه وسلم في حضرة المطاع الذي ذلَّت وخضعت لأمره سائر المخلوقات، فهنالك تصبح في حصنٍ حصين، وحرزٍ منيع لا يدخله شيطان، وإن حاول احترق ومات، وتنقطع عنك وأنت في هذا الحصن وساوس الشيطان، ويزول الوقر من الأذنين، وينكشف الغطاء عن العينين، عندها تسمع الكلام من المتكلم جلَّ جلالُه، وأنت بمعيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم القلبية، وترى وتشهد ما في أوامره تعالى من المنافع والخيرات.

عندها يصبُّ عليك تعالى الصحة والمال، والعزة والجاه: {...وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ...} سورة المنافقون (8). عندها لن يجعل تعالى للشيطان عليك سلطاناً: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سورة النحل (99).

وهكذا وحتى لا يقع الإنسان تحت تأثير ساحر بشتى مجالات ممارسة السحر: من تخييل (كما يسمونه السحر الأبيض)، أو تفريق وإيقاع خلافات، أو ربط، أو عين وحسد، أو... أو إن أحسَّ أنه صار فريسة تحت براثن ساحر، فما عليه إلاَّ أن يذكر الله حقَّ الذكر، ويحاسب نفسه محاسبةً شديدة، فيرى ما عليه من تفريط ومخالفات لشرع الله، يرى هل أكل حق أناس بالباطل، أو اعتدى على آخرين بغير الحق،

أو ظلم آخرين، أو امتدت يده لحرام، أو عينه، أو... وغيرها من مخالفات لشرع الله وتفريط بحدوده، عندها يصلح هذا التفريط، ويغيِّر ما بنفسه من نوايا الاستمرار على التفريط، قال تعالى في سورة الرعد (11): {...إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ...}، ويتوب لربه، ويعود مستعيذاً بجنابه العالي، ويذكر الله، عندها يبدِّل الله ما يعانيه، ويفر الشيطان هارباً عنه، ويفشل مكر السحر ومكيدته. لأنه باستعاذته بالله تتوجه نفسه إليه تعالى، ويسري النور الإۤلهي فيها، فيحميها من الشرور والنوايا السوداء التي تحاك ضده، وهذا يتضح لنا أكثر إذا ما رجعنا إلى السورة الكريمة وهي: سورة الفلق.

نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعياذه برب الفلق إنما حُفظ ووُقي من شر النفاثات في العقد، فلا سبيل لساحر عليه، ولا يجرؤ شيطان أن يدنو منه فيخيل إليه، وكيف يستطيع ساحر أن يتعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالأذى وهو صلى الله عليه وسلم عاكف دوماً بنفسه الشريفة في حضرةِ الله؟! لذا فهو معصوم عن الصغائر والكبائر، ولا سلطان لشيطان أو أي كائن عليه.

أم كيف يجرؤ شيطان أن يدنو منه صلى الله عليه وسلم؟! ولو دَنَا لاحترق لفوره.

هذا ما تريد أن تعرفنا به هذه الاستعاذة وترشدنا إليه، لنعلم أن المؤمن الذي يعوذ بالله مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع ساحر أن يتعرض له بسوء، ولا يجرؤ شيطان أن يقربه.

أما البعيد عن الله، المرتكب للمعاصي والتعدِّيات، فهو عرضة لكل شر وأذى إذ لا سلاح بيده، ولا ملجأ له يعوذ به.
الالتجاء إلى ربِّ الفلق يخلِّصنا من شرِّ النفَّاثات في العقد: فما هي النفاثات؟ وما هي العقد؟

والنفَّاثات: مأخوذة من النَفَثِ، والنَفَثُ: هو ما يلقيه الإنسان من فيه (فمه) من البصاق، والنفث: هو الإلقاء والرمي، يُقال: نَفَثَتِ الأفعى السُّمَّ: إذا أَلْقَتْهُ ورمتْ به في جسم الملدوغ، فالأفعى والحالة هذه نافثة.

وإذا أردت المبالغة وتكرّر صدور الفعل منها، قلتَ: نفَّاثة، الجمع: نفَّاثات: والنفَّاثات إذاً: الملقيات.

المراد بالنفَّاثات في هذه الآية الكريمة: الساحرات.

والعقد: جمع عقدة، والعقدة: هي كل شيء يمكن إبرامه وإحكامه، والعقدة: كل ما يملك الشيء ويوثقه. والمراد بالعقد في هذه الآية: الروابط الاجتماعية كعقدة النكاح التي تربط وتوثق العلاقة بين الرجل وزوجته، والروابط التي تربط بين الصديق وصديقه.

والمراد بـ {النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}: الأنفس الشريرة التي تتخذ السحر وسيلة تتوصَّل به إلى مآربها الدنيئة.

فالسواحر نفَّاثات، لأنهنَّ يُلقين ما في نفوسهن من خبث ومكر، فيكون من عملهن هذا الإفساد بين شخص وشخص.

ونفْثُ الساحر كما يُفهم من كلمة {فِي الْعُقَدِ} الواردة في هذه الآية يكون على صورتين:

1 فإمَّا أن يكون مراده من نفثه إيجابياً، وهو التقريب والجمع بين شخص وشخص، ويكون عزمه منصرفاً إلى عقد العقدة وإنشاء الرابطة غير المشروعة.

2 وإما أن يكون مراده من نفثه سلبياً، وذلك بالتفريق وإلقاء العداوة والبغضاء بين المرء وزوجه وبين الفرد والفرد كما نزغ بين سيدنا يوسف وإخوته، قال تعالى في سورة يوسف (100): {...مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}، وتكون بغيته في هذه الحالة هادفة إلى حلِّ العقدة وإفساد العلاقة القائمة. قال تعالى: {...فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} سورة البقرة (102).
كيف ينبعث الأذى من الساحر إلى المسحور، وكيف تستطيع النفاثات التأثير على أحد الأشخاص؟

1 فمن حيث الظاهر: الساحر في نفثه يسوق الشيطان نحو المسحور؛ ويستخدمه في التخييل إليه بما يرغب من الخيالات.

2 ومن حيث الباطن: الشيطان يستخدم الساحر فيتوصَّل بواسطته إلى المسحور، فيخيِّلُ إليه ما يشاء مما فيه إيقاع الأذى وإنزال الضرر، وبشيء من التفصيل نقول:

إن الساحر عندما يتَّجه إلى المسحور يسري شعاع نفسه إليه، فينتهز الشيطان هذه الفرصة ويسري في ذلك الشعاع ويدخل فيه على المسحور، وهنالك يخيِّل له ما يشاء من إنشاء روابط، أو نقضٍ، أو حلّ للعلاقات القائمة.

والحقيقة كل الحقيقة: أن الساحر لا يُمكَّن من سَوْق الشيطان. وكذا الشيطان لا يستطيع استخدام نفس الساحر، إلا إذا كان المسحور امرءاً ظالماً من قبلُ مستحقاً لذلك الأذى الذي يشترك الشيطان والساحر في إيقاعه عليه. قال تعالى: {...وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} سورة البقرة (102).

وإذاً الشهوة الخبيثة التي تتولَّد في نفس الإنسان عند إعراضه عن الله، وذلك الأذى الذي ينبعث منها ويوقعه المرء بغيره؛ هو الذي يعيد على الإنسان عمله فيجعل هذين الشريكين الخبيثين يتسلَّطان عليه ويسحرانه، ولو أنه كان مُقبلاً على الله لما فعل شرّاً، ولما ناله منهما ضرر ولا أذى.

فالإقبال على ربِّ الفلق، والالتجاء الدائم إليه، يحفظ الإنسان من كلِّ الشرور ويدفع عنه جميع ما يكره وما قد يقع عليه من السوء والضرر.
كيف خُيِّل إلى سيدنا موسى عليه السلام أن حبال السحرة وعصيهم (أنها تسعى)؟!

هذه القصة تحتاج لقليل من التدقيق لاستجلاء حقيقتها:

فلو أننا استعرضنا أقوال سيدنا موسى عليه السلام لفرعون وآله وللسحرة قبل المباراة لاستبان لنا وجه الحقيقة، فقوله عليه السلام لفرعون وآله: {...أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} سورة يونس (77).

فهل أفلح الساحرون وخيَّلوا له وسحروه كما سحروا أعين الناس؟! وقوله عليه السلام للسحرة: {فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ، فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} سورة يونس (80-81).

فلو كان كما ظنوا أن سيدنا موسى سُحِر وحصل له تخيل أو أثَّر عليه التخييل لما استطاع أن يهاجمهم بقوله: ما جئتم به السحر إنَّ الله سيبطله، أي: تخيلات زائفة كالسراب لا حقيقة لها، لأنه قالها بعد أن ألقوا حبالهم وعصيهم، وظهرت لأعين الناس أفاعي ضخمة وحيَّات خيالاً لا حقيقة، ولكن الناس ظنوها حقيقة. إذاً: فلو سُحِر عليه السلام لما قال لهم بعد ما ألقوا حبالهم وعصيهم:

{...إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ...}، لأن المسحور لا يستطيع أن يهاجم، وذلك القول أبلغ التحدي والاستهزاء بعمل السحرة، فكيف يقولون أنه عليه السلام سحر؟!

إذن: فقول سيدنا موسى عليه السلام للسحرة: {...مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ...}: هذا هو السحر: الأعمال التخييلية الشيطانية، هذه الخديعة تنطلي على البسطاء عميان القلوب، ولا تنطلي على أهل البصائر.

ولو أننا قارنَّا بين ما حصل للناس عندما جاء السحرة بسحرهم، وبين ما حصل لسيدنا موسى عليه السلام لوجدنا أن السحرة: {...سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} سورة الأعراف (116).

فقد وقع السحر على الناس وخافوا مما شاهدوه.

أما سيدنا موسى عليه السلام لما ألقى السحرة كما جاء في سورة طه (66-68): {...فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}: فكلمة (يخيَّل) هنا تعني أنه عليه السلام أُرِيَ وشاهد أنها مجرد خيالات لا حقيقة ولا مادية لها، كما أنك ترى الخيال المرتسم على الحائط أمام ضوء الشمعة كجسم كبير أو وحش ضخم جراء شبك أصابعك ببعضها بوضعية ما. فلم يخيَّل عليه كما وقع السحر على الناس، بل جيء بها بين يديه مكشوفة له، فرآها خيالات لا حقيقة لها كالسراب، وبما أنه نبي مستنير بنور الله، يرى حقائق الأمور ولا يخفى عليه خداع البصر لأنه يرى ببصيرته النورانية، خشي على قومه وعلى جمهور قوم فرعون من ألعاب الشياطين والسحرة: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً...}: على الناس من مكرهم وتخييلهم ودجلهم، فطمأنه تعالى بكشف زيفهم والنصر عليهم بقوله تعالى: {...مُّوسَى، قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى}: فسننصرك.

إذن خداع البصر يؤثر على من لم تفتح بصيرته بنور الله، أما الأنبياء فهم أهل البصائر والاستنارة: لا يخيِّل عليهم ساحر، فلا يفلح الساحر عليهم فيما أتى.

وردت الآية صريحة، تبيِّن لنا أن الشياطين ما دنت من سيدنا موسى عليه السلام ولا دخلت عليه، ولم ينطلِ سحرهم عليه، لأنه دائم الوجهة إلى الله، بل كل ما في الأمر أنه خُيِّل إليه، أي: أُرِيَ، وشاهدها مجرد خيالات لا ماديَّة لها، لا كما وقع للناس، حيث سُحِرَت أعينهم، وتمَّ وقوع السحر عليهم.

ومن الواضح أن حرف (إِلَيْهِ) يدل على الانفصال، ولم يجرِ سلطان لساحر أو شيطان على سيدنا موسى عليه السلام.

ولبيان عدم إمكان دنو الشيطان من الأنبياء في هذا الحال الجسمي، حيث أن أنفسهم صلوات الله عليهم دائمة الإقبال على الله، فبما عرفت من رأفة الله ورحمته بخلقه، وبما شهدته من كماله تعالى وجماله اللامتناهي، أضحت عاكفة في ذلك الجناب العالي، وهي والحالة هذه مغمورة بذلك التجلي الإۤلهي، مشمولة بذلك النور المتوارد على نفوسهم بصدقهم القوي جداً مع الله، وحبّهم العظيم له تعالى، لذلك لا يستطيع الشيطان دنواً منهم، ولا أن يخترق ذلك النور الإۤلهي.

وهم صلوات الله عليهم بهذا التجلي في حصن حصين من الشيطان، وحرز منيع، بل على العكس تماماً، هم على الشياطين متسلطون هازمون حارقون: {...وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء...} سورة الحشر (6).
كيف ولى سيدنا موسى عليه السلام مدبراً؟

ولعل سائل يسأل: كيف ولّى سيدنا موسى عليه السلام مدبراً ولم يعقب عندما ألقى عصاه فرآها كأنها جان؟! وفي الإجابة على هذا السؤال نقول:

قال تعالى في سورة النمل (10): {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ}. الأنبياء والمرسلون هم نبراس الفضيلة والطهارة والكمال بما اشتقت نفوسهم بإقبالهم العالي على الله تعالى، فهم دوماً في اتجاه وإقبال في مشاهدة ذي الجلال والجمال.

وهذا الإقبال الدائم على الله، وهذه الاستنارة المتواصلة بنور الخالق، جعلت في قلوب هؤلاء الرجال بصيرة نافذة، فرأوا بنور الله تعالى الحق من الباطل، وميَّزوا الشر من الخير، وشاهدوا الطريق السوي واهتدوا إلى الصراط المستقيم، وبمثل هذه الصفات الكاملة التي تحلّت بها نفوسهم، وتلك الرحمة التي اكتسبوها من الله، صاروا أهلاً لأن يصطفيهم خالقهم، وجديرين بأن يختارهم ويجتبيهم ربهم ليكونوا هداة لخلقه قائمين بتلقي رسالته وتبليغها لعباده.

قوله تعالى في الآية: : {...إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} تدل على عصمتهم، فمنشأ الخوف هو عمل الإنسان ذاته إذ يُكال له ثم يُردُّ عليه، والمرسلون معصومون لعدم انقطاع قلوبهم عن الله، لم يُلبسوا إيمانهم بظلم، فلهم الأمن وبهم الأمان.

هذا ولم يرسلهم تعالى إلاَّ بلسان قومهم، فسيدنا عيسى عليه السلام جاء بعصر الطب وتفوقه بمعجزات ما أبطل علمهم، كإحياء الموتى، وخلق من الطين كهيئة الطير فيكون طيراً بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص.

وكذلك سيدنا سليمان جاء بعصر الملك، وكيف أن الله وهب له من الملك ما لم يهبه أحداً من بعده.

وكذلك الأمر على عهد سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم إذ أصبح الزمن زمناً يتبارى فيه البلغاء ويتنافس فيه الشعراء، ولم يبق للملك والسلطان تلك القيمة التي كانت له عندهم من قبل، فبيتُ شعر بنظر العرب آنذاك أثمن لديهم من قصور كسرى وقيصر.

وكذلك عصر سيدنا موسى جاء بعصر السحر والسحرة إذ كان بأوجهِ، فأيَّده الله تعالى بمعجزة أبطل بها شعوذتهم ودجلهم وتخييلاتهم، فعندما أراد تعالى أن يكلفه بالرسالة وقبل أن يذهب إلى فرعون وملئه أوحى له تعالى كما جاء في سورة النمل (10): {وَأَلْقِ عَصَاكَ...}: فلما ألقاها. {...فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ...}: رآها تهتز كأنها جاۤن من حركتها الشديدة، فخاف عليه السلام لأن نفسه الطاهرة النقية أبت أن يصدر منها إلاَّ كل كمال وفضيلة، ولأنه يعلم أن تلك الأعمال هي من الشياطين الكفرة وإخوانهم من الجن الذين يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون عن إيقاع الأذى بالأخرين والتخييل لهم، فالسحر أحط وأنجس شيء لذلك خاف عليه السلام وولى مدبراً ولم يلتفت نافراً من تلك العوالم السفلية الخبيثة، فطمأنه تعالى: {...يَا مُوسَى لَا تَخَفْ...} فنفسك الطاهرة لا يصدر منها مثل تلك الأفعال، وأن هذا ليس بسحر وإنما هي معجزة أيدتك بها لفرعون وملئه و: {...إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ}، فأنا اصطفيتك للناس بكلامي ورسالاتي، واصطنعتك لنفسي، فأنت بوادي الطهارة والكمال، لذلك أوحيت إليك لأنك بتلك الصفة العالية ونفسك تطوي معارج الكمال طيّاً، فأنا اخترتك رسولاً إلى فرعون وملئه، وأيدتك بتلك المعجزة لتكون لهم آية، وإني لا يخاف لدي المرسلون، لأنهم لا يسبقوني بالقول، وكيف يخطئون الطريق ويخافون وهم بأمري يعملون!

كما أنه لا سبيل للشيطان على كل مؤمن مادامت نفسه مقبلة على الله متجهة إليه، ومرتبطة بنفوس أنبيائه الكرام البررة. قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سورة النحل (99).
كيف مسَّ الشيطان سيدنا أيوب عليه السلام؟!

لعلك تقول: كيف مسَّ الشيطان سيدنا أيوب عليه السلام؟!

في التفاسير عند هذه الآية: {...وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} سورة ص (41).

أقوال شيطانية مدسوسة، لا تليق بالسادة الأنبياء، لا بل بأبسط المسلمين، فهم يترفعون عن وصمهم بما وصموا به أحدَ خيرة الله من خلقه وصفوته من عباده، للطعن بأنبياء الله الكرام والعدالة الإۤلهية، وجَعْل سُلطة للشيطان حتى على الله تعالى. والعياذ بالله من قولهم الموتور طعناً بالإسلام بافتراءات الإذلال والتحقير التي لا أصل لها، منها قولهم الخبيث: أن نبي الله ورسوله سيدنا أيوب عليه السلام قد سيطر الشيطان على أهله وماله وبدنه، وألقاه قومه في مزبلة تختلف الدواب في جسمه الشريف، وأنه أصيب بالأمراض الـمُعْدِية. كل ذلك كان بزعمهم قد تمّ باتفاق الله مع الشيطان ضدّ رسوله الكريم، فأذله إذلالاً لم يُذلَّه أحداً من العالمين دون سبب حق، ودون جرم اقترفه، وحاشاه.

فالشيطان أخسأ من أن يكون له سلطان على مؤمن، فهل يعقل أن يستطيع الاقتراب من نبي ورسول؟! والله عز وجل يقول في محكم آياته: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سورة النحل (99).

وهذا إبليس أدرك هذه الناحية قائلاً:

{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} سورة الحجر (39-42).

والعكس صحيح: {...وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء...} سورة الحشر (6).

والحقيقة أن ملخص قصة سيدنا أيوب عليه السلام هي:

مما ضربه الله تعالى لنا في القرآن الكريم مثلاً في الثبات والصبر على الدعوة إلى الله، والرحمة بقومه.

هذا الرسول الكريم نادى قومه ودعاهم إلى الله تعالى، فما وجد منهم في بادئ الأمر إلا عناداً وصدوداً عن الحق، ولم يلق لجهوده ثمرةً، وهنالك تألم عليهم ألماً كبيراً، ووجد في نفسه ضيقاً وغماً عظيماً، وحزناً عليهم وحسرة.

وما مثل هذا الرسول الكريم في تألمه على قومه وحزنه عليهم إلا كمثل أب شاهد ابنه قد أصيب بمرض عضال يفتك في جسمه، وقد أعيته الحيلة في انتشاله من براثن هذا المرض وتخليصه، ترى كم يتألم هذا الأب وكم يضيق صدره ويحزن كلما وقع بصره على ابنه؟ وهكذا كان حال هذا الرسول الكريم مع قومه، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} سورة الأنبياء (83).

ويكون ما نفهمه من هذه الآية الكريمة: أي: واذكر عبدنا أيوب في رحمته بقومه وتألمه عليهم، إزاء ما لقيه منهم من الصدود والمعارضة الشديدة.

نكرِّر:

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ...} أي: لقد دفعني ما ألقاه من الضيق والغم، وحملني ما أجده في نفسي من الحزن والحسرة على قومي، أن أدعوك طالباً منك أن تكشف عني هذا الضر، أي: هذا الضيق بأن تهدي قومي هؤلاء: {...وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}: فارحمني يا رب بهدايتهم، إذ في ذلك خلاص نفسي وشفاؤها مما بها من العذاب النفسي والتألم عليهم.

وقد استجاب الله تعالى دعاء رسوله بعد أن صبر عليهم كثيراً، ولم يلجّ، ولم يقنط من هدايتهم، ولم يشْكُ همَّه وغمه إلا إلى الله، فأرشده الله إلى طريق خلاصهم، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة في قوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} سورة الأنبياء (84).

إذن: كشف الله ما به من ضرّ، ففرَّج عنه ذلك الضيق الذي ألمَّ به: فآمن قومه وآمن آخرون من غيرهم بقدرهم، رحمة بهذا الرسول الكريم وبقومه.

{...وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}:
أي: تذكرة لمن كان طائعاً لله، قائماً بهداية العباد إلى الخالق، ليعلموا أنه مهما حصل لهم من المعارضة والضيق فلا بد أن يفرِّج الله عنهم، ويجعل الخير على أيديهم، والعاقبة للمتقين.

هذه القصة التي جاءت موجزة في الآيتين السابقتين، أوردها الله تعالى مفصَّلة في آيات أخرى، وبيَّن لنا الطريق التي أمر تعالى هذا الرسول بسلوكها ليتوصل إلى هداية قومه، فقال تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} سورة ص (41).

ولفهم المراد من كلمة: {...مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ...} نقول:

(المس) الوارد في القرآن الكريم لا يأتي إلا بالشكل المعنوي، أي: النفسي لا الجسمي كما زعموا لهذا النبي الكريم أنه جسميٌّ كذباً بحقه.

قال تعالى في سورة البقرة (275): {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ...}: أي نفسياً.

فالشيطان هل يظهر مادياً أم معنوياً؟ بالطبع هو لا يأتي إلا بالحال النفسي. قال تعالى في سورة الواقعة (77-79): {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}: فالقرآن بمعانيه السامية وفقهه يمسُّه المطهرون فقط. فالمعاني معنوية، تطبع في القلوب لا تلمس بالأيدي، ومصحف القرآن يحمله الكافر والمعرض، الطاهر وغير الطاهر، وذلك هو اللمس لا المس.

وفي قوله تعالى في سورة الأعراف (201): {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}، والطيف لا يلمس بداهةً، ومنها الممسوس أي المجنون. فالمس معنوي نفسي، وكما ذكرنا أن الضرّ الذي مسّ سيدنا أيوب عليه السلام من غمٍّ وهمٍّ نفسيٌّ، وليس جسمياً كما زعموا.

فالشيطان لا يمكن أن يؤثر بالمادة ولا تأثير له بها، فمهما وضعت من طعام وتركته ولو اجتمعت شياطين الأرض لا يستطيعون أن يأكلوا لقمة واحدة منه، فالشيطان لا يأتي إلا بنفسه المجرَّدة عن جسمه، ولكن ليس على رسول الله أيوب عليه السلام، قال تعالى في سورة الكهف (51): {...وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا}: فلا يمكن أن يتخذ الله إبليس ويتعاون معه ضد نبيِّه ورسوله أيوب عليه السلام كما زعموا دسّاً، ولا جدال فيما ورد فيه نص صريح القرآن. وقد بين لنا تعالى كيفية مسّ الضر لسيدنا أيوب عليه السلام لا لمسه في قوله: {...وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} سورة ص (41).

ويكون ما نفهمه من هذه الآية الكريمة أي: واذكر عبدنا أيوب في رحمته بقومه وتألمه عليهم إزاء ما لقيه منهم من الصدود والمعارضة الشديدة، والمراد بكلمة: {مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ} أي: أصابني منه بسبب ما يوسوس به في نفوس قومي. {بِنُصْبٍ}: أي عناء وتعب، فلا ألبث أن أقيم لهم البراهين والحجج وأقنعهم، فما أن يخرجوا من عندي حتى يوافيهم الشيطان بوساوسه، ويثير الشبهات حول ما كنت بينته لهم، ولو أطاعوني وآمنوا لما أفسدهم الشيطان، أما كلمة: {وَعَذَابٍ}: فإنما تعني ذلك التألم النفسي الذي كان يجده هذا الرسول الكريم على أولئك الضالين رحمة بهم وحناناً عليهم. فالنصب والعذاب كانا بسبب ما يوسوس به الشيطان في نفوس قومه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ، مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ} سورة الناس.

كذلك أصاب سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ما أصاب سيدنا أيوب عليه السلام من آلام وشقاء على قومه قريش بادئ ذي بدءٍ من عنادهم وإصرارهم وتعنُّتهم، حتى أشقى نفسه الشريفة عليهم حزناً وعذاباً نفسياً، فخاطبه تعالى بقوله الكريم: {طه، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} سورة طـه (1-2).

وبآية: {...فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ...} سورة فاطر (8).

و كما ورد في الحديث الشريف: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل» (الطبراني في الكبير).

أي: البلاء النفسي لعظيم رحمتهم وحنانهم على الخلْق.

ولما دعا هذا الرسول الكريم سيدنا أيوب عليه السلام ربّه، استجاب الله تعالى له وعلَّمه، وأمره بالهجرة من بلده إلى بلد آخر، فقال تعالى في سورة ص (42-43): {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}: أي: اخرج من بلدك الذي أنت فيه، والذي لاقيت ما لاقيت فيه من الضيق المعنوي بسبب المعارضات، إلى بلد آخر قريب فيه مغتسل بارد وشراب. فما أن سمع سيدنا أيوب عليه السلام بالمكان الذي أمره الله تعالى بالذهاب إليه حتى انطلق سراعاً عليه السلام، وقد جعل الله تعالى من هجرة هذا الرسول سبباً لهداية قومه، ومثلهم معهم، وإلى ذلك أشار تعالى في قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ...}. ونفس هذه الحالة، والقصة مشابهة تماماً لما جرى مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي صبر على قومه حتى جاءه الإذن بالهجرة {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ...} سورة الأنفال (5).

فهاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومعه صحبه من المهاجرين إلى قوم آمنوا معه ونصروه، ورجع بهم إلى قومه فنصره الله تعالى عليهم وهداهم. وكذلك سيدنا أيوب عليه السلام رجع على قومه، وعندها بالقوة استعظموه وقدَّروه، وآمنوا معه، وصار بعهده نهضة إسلامية كبرى، فكان هذا التاريخ مشابهاً ومماثلاً لعصر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
كيف استطاع الشيطان أن يتوصَّل إلى إلقاء وساوسه إلى سيدنا آدم؟

وسيدنا آدم صلى الله عليه وسلم مقبل على الله لا ينقطع عنه؟ وهل يمكن أن تعتبر هذه الواقعة دليلاً على إمكان دخول الشيطان على الأنبياء؟

وجواباً على هذا السؤال وإيضاحاً لهذه النقطة نقول:

تبدو لنا هذه المشكلة جلية واضحة إذا نحن رجعنا إلى حال الإنسان الأول لما كانت نفسه محيطة بجسده، ثم قارنَّا ذلك الحال الأول النفسي بهذا الحال الجسدي الذي نحن عليه الآن.

فسيدنا آدم صلى الله عليه وسلم لمَّا كان في جنَّة الإقبال على الله وكانت نفسه لابسة جسده ومحيطة به ما كان بين نفسه ونفس الشيطان من حجاب يحجبها عنه، بل كانت تبدو ظاهرة مكشوفة. وبما أن سيدنا آدم صلى الله عليه وسلم مُقبل على الله دائم النظر إليه لذلك ما استطاع الشيطان أن يفعل أكثر من أن يُلقي إليه بوساوسه إلقاء ويحدِّثه بما حدَّثه به عن بعد ودون أن يدنو منه. فقد أكون الآن سائراً في طريق وأسمع عن بعد كلمة يهمس بها إنسان أو يقصدني بها ويريد أن يجعلها في أذني ويرغب أن تقع من نفسي ولا يعتبر ذلك دخولاً منه عليَّ ولا يعدُّ حديثه وهمسه تسلُّطاً من نفسه على نفسي، إنما هو مجرَّد قول صدرت موجاته من نفس فأصابت هذه الموجات صفحة النفس الثانية، وبين النفس الأولى والثانية مسافة ظاهرة.

وهكذا فقد تُرسل الآن المحطات الإذاعية مثلاً "اللاسلكية" بموجاتها من منطقة في أقصى الشرق فتعكس هذه الموجات الأجهزة الأخرى اللاقطة التي تقع في المغرب الأقصى وبين المحطتين بعد المشرقين.

إن هذا المثال يوضِّح لنا هذه النقطة التي نحن بصددها وضوحاً تاماً ويبيِّن لنا أن الشيطان ما دنا من سيدنا آدم صلى الله عليه وسلم ولا دخل عليه وهو لا يستطيع أن يدنو منه لأنه صلى الله عليه وسلم دائم الوجهة إلى الله، بل كل ما في الأمر أنه وسوس إليه وسوسة عن بعد.

وقد وردت الآية صريحة بهذا المعنى، إذ قالت:

{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ...} سورة طه (120).

ولم تقل وسوس في صدره أو في نفسه، كما في قوله تعالى:

{الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} أي المنقطعين عن الله تعالى.

ومن الواضح أن حرف (إلى) يدلُّ على الانفصال، وأن حرف (في) يدل على الظرفية والاشتمال.

وهكذا فلا تُعدُّ هذه الوسوسة الملقاة عن بعد دخولاً من الشيطان على سيدنا آدم صلى الله عليه وسلم أو دنواً منه، ولا يمكن أن تُعتبر هذه القصة دليلاً على إمكان دخول الشيطان على الأنبياء.

بقي علينا أن نبيِّن عدم إمكان دنو الشيطان من الأنبياء في هذا الحال الجسدي مثلهم كمثل سائر البشر من حيث كون أجسادهم محيطة بأنفسهم وكون الحكم للجسد، فهم يولدون كما يولد سائر البشر ويطرأ على أجسادهم في الحياة الدنيا ما يطرأ على أجساد غيرهم من صحة ومرض وشباب وشيخوخة وضعف وهرم وموت.

أما أنفسهم صلوات الله عليهم فهي دائمة الإقبال على الله، فبما عَرَفَتْ من رأفة الله ورحمته بخلْقه، وبما شهدته من كماله تعالى وجماله اللامتناهي أضحت عاكفة في ذلك الجناب العالي وهي والحالة هذه مغمورة بذلك التجلِّي الإلهي، مشمولة بذلك النور لا ينقطع عنها طرفة عين.

وبما أن النفس في هذا الحال الجسدي محاطة بالجسد ولا يمكن أن تصلها وساوس الشيطان من بعيد، بل لا بد له من النفوذ إليها عن طريق الجسد واختراق الصدر، وحيث أن أجساد الأنبياء مغمورة دوماً بذلك النور الإلهي المتوارد على نفوسهم، بصدقهم القوي جداً مع الله وحبِّهم العظيم له تعالى، لذلك لا يستطيع الشيطان أن يدنو منهم وأن يخترق ذلك النور الإلهي وهم صلوات الله عليهم بهذا التجلِّي في حصن حصين من الشيطان وحرز منيع.

وهكذا نخلص من حديثنا هذا وقد بيَّنا أن الشيطان لا سبيل له ولا مدخل على الأنبياء قطْعاً، كما أنه لا سبيل له على كل مؤمن ما دامت نفسه مقبلة على الله متجهة إليه أو مرتبطة بأنبيائه الكرام البررة. وقد أرشد تعالى الإنسان بصورة عامة إلى هذه الوسيلة التي يتخلَّص بها من الشيطان فقال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} سورة الأعراف (200-201).

{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} سورة النحل (99-100).

والحمد لله رب العالمين
عدد المشاركات الإجمالي: 20
مشاركاتكم
1. الحديث علم وفن
عادل شريف - مصر | 28/4/2010 الساعة 01:29 , توقيت دمشق
شكراً على هذا الموضوع وجزاكم الله كل خير.
2. تعليق على مشاركة الأخت فريدة الأسعد
ر .د - سوريا | 3/2/2010 الساعة 01:31 , توقيت دمشق
بعد التحية أريد أن أسأل سؤال هل من الضروري أن يسحر الرسول لكي نتأكد أنه بشر مثلنا؟ وهل نزلت المعوذتين لأن الرسول سُحر؟

من يقبل بآيات القرآن الكريم لا يقبل بمثل هذه الروايات وأدعو الجميع أن يعودوا لكلام الله عز وجل لكي يعلموا مقام الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه.

ولكم جزيل الشكر.
3. قضية سحر الرسول
فريدة الأسعد - سوريا | 18/1/2010 الساعة 02:02 , توقيت دمشق
شكراً على هذه الدعوة للنقاش. رأيي في ذلك التالي:

السحر موجود حتى يومنا هذا والرسول واحد من البشر في النهاية وقد كان صلى الله عليه وسلم يمرض ويمر به ما يمر بالناس العاديين وأكثر.

وكان أكثر معشرهم آنذاك وأعدائه صلى الله عليه وسلم من معشر اليهود وهم المشهور لهم بتعلم السحر وتعليمه حتى يومنا هذا. إضافة إلى ذلك سبحان الله ما نزلت آية من القرآن إلا ولها سبب لنزولها تشريفاً وتكريماً وتنزيهاً من الله لكلامه ولنبيه والمؤمنين من الشرك. وحتى الآن نتعوذ بالمعوذتين من السحر والعين والأذى والشيطان وغيره، وحتى الآن كلام الله هو الشافي المعافي من كل الخبث... والله أعلم، وجزاكم الله كل الخير.
4. أبعد من أن يمسه السحر
عمرمحفوظ بن شعيب - عـــدن ـ اليمن | 8/1/2010 الساعة 23:46 , توقيت دمشق
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته...

عن حادثة سحر سيدنا محمد عليه أفصل الصلاة والسلام والتي وردت في صحيح البخاري أو في كتب بعض المفسرين تثير التساؤل أيعقل ذلك؟!

إن هدفنا هو معرفة الحقيقة بشكل عام وليس التشكيك أو الإساءة إلى كتب السنة أو إلى بعض المفسرين، فقد جاء في كتاب الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} سورة المائدة (67).

و في سيرة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ومعه أبو بكر الصديق في الغار، في جبل ثور تبين لنا كيف كان الله معهم وهو يقول للصديق كما جاء في كتاب الله: {...لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} سورة التوبة (40).

ويكفيني أن أصدق بآيات الله أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للسحر.
5. تأثير السحر على الرسول صلى الله عليه وسلم
أشرف محمود - مصر | 8/1/2010 الساعة 18:01 , توقيت دمشق
في اعتقادي الراسخ أن الله سبحانه وتعالى قادر بدون شك على أن يحمي رسوله، فدعونا نضع مجهودنا فى فهم صحيح الدين وكفانا الخوض فى قضايا جدلية حتى وإن وصلنا فيها لنتيجة فإنها لا تعطينا فائدة كبيرة.

وأرى أن نناقش قضايا تفيد ديننا الحنيف كمثال لا للحصر، فلنناقش سورة النساء وما فيها من قواعد المواريث وغير ذلك مما يفيد، فأنا أعتقد أن كثير منا لا يعرفون وشكرا.
6. محمد خير رسل الله قاطبة محمد خير من يمشي على قدم
هيثم - جده | 8/1/2010 الساعة 15:01 , توقيت دمشق
السلام عليكم...

قال تعالى في سورة الإسراء (47): {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}. كن من الظالمين وارض أن يسخط الله عليك إذا صدقت أن رسول الله قد سحر ولو للحظة... فحاشاه.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم نور، والسحر والشياطين ظلام.
7. السحر موجود
Gh - syria | 5/1/2010 الساعة 00:19 , توقيت دمشق
لا أعلم حقيقة أن النبي فيما اذا كان قد تم سحره أو لا، ولكن أعتقد أن السحر موجود وقد ذكر في القرآن الكريم. وأنا قد تم التفريق بيني وبين زوجي بالسحر، ولا أعرف كيف يمكنني الشفاء منه!!
8. إفك مفترى
واصف الزاب - قطر | 3/1/2010 الساعة 19:45 , توقيت دمشق
السلام عليكم ورحمة الله...

كل من يقول أن السحر وقع على رسول الله فهو إما مغرض مدسوس مأجور يريد أن ينكر نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال تفوق اليهود عليه بسحرهم وإفكهم.

وإما أنه مدّع للعلم مخدوع بنفسه، إلا أنه لا يملك من العلم شيء، ولم يتعرف بعد على حقيقة الرسول وعلى حقيقة السحر، الذي هو إما ألعاب خفة وخداع للبصر، أو تسليط للشياطين التي لا تتنزل إلا على كل أفاك أثيم.
9. آخر الزمان
ر . د - سوريا | 3/1/2010 الساعة 02:21 , توقيت دمشق
لماذا يقولون على رسول الله مثل هذا الكلام؟ هل المراد من ذلك الحط من مقام الرسول الكريم؟ ولماذا العلماء الأفاضل يقولون ذلك الحديث على المنابر في المساجد وفي دروسهم الدينية؟

هل كل ما وردنا من أحاديث هو صحيح ولو خالف القرآن؟ فلو نظرنا في كتاب الله نرى فيه آيات كثيرة تبين بطلان هذا الحديث، قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} سورة البقرة (221-222).

بل أقول تتنزل الشياطين على أمثال من يتبع هذا القول الضال!!

نبي كامل الأوصاف تمت محاسنه فقيل له الحبيب

يفرّج ذكره الكربات عناإذا نزلت بساحتنا الكروب
10. لسنا كاليهود
سمير - المانيا | 2/1/2010 الساعة 20:03 , توقيت دمشق
السلام عليكم...

إذا نجح أعداء الإسلام قبل الإسلام في تحريف الديانات وتضليل الناس فهم يواصلون ذلك مع الإسلام أيضا. وأكبر قلعة يضرب منها الدين هي عصمة رسوله وبعدها على الدين السلام، فكل ما سيأتي به الرسول مشكوك فيه لأنه غير معصوم... ونجد أمثلة لذلك في الإنجيل من عدم عصمة النبي لوط عليه السلام وقصته المشينة مع ابنتيه الملفقة إليه، وقصة النبي داوود عليه السلام وقصته مع جارته التي زنى بها وحملت منه وإرساله زوجها إلى الحرب ليموت هناك حتى تكون المرأة لداوود وحده... حاشى أنبياء الله من ذلك، وكل هذا لضرب العصمة في رسل الله، عندها يسهل كل شيء.

ونحن نرى حال إيمان اليهود والنصارى ونظرتهم إلى الأنبياء غير ذات قيمة ولا مبالاة . فمن آمن بأن نبيا مرسلا من عند الله يزنى والله يباركه ويوافق على ذلك، فهل تراه يتورع عن فعل المنكرات في حياته الشخصية فسوف يباركه الله هو أيضا كما بارك النبي أو المثل الأعلى. وإذا شككت في المثل الأعلى فستضل.

وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم مسحوراً فالقرآن والسنة مشكوك فيهما، وبذلك الإسلام مشكوك فيه، وبذلك لا لأمة إسلامية تقود العالم أو تنشر كلاماً صاحبه مسحور... و...
1 2
إذا أردت المشاركة في هذه القضية
 * الاســم:
 * البلـــد:
 * بريدك الإلكتروني:
(لا يظهر في المشاركة)
 * عنوان المشاركة:
 * نـــص المشاركة:
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق من الشخصية:
* أرقام و أحرف كود التحقق:
ملاحظة: جميع الحقول الموسومة بـ (*) مطلوبة
قضايا للحوار
أرشيف جميع القضايا


تـنـــويـــــــــه
أخي الكريم...
إذا كان لديك مسألة هامة أو قضية معينة (اجتماعية ـ علمية ـ دينية ـ ثقافية ـ فلسفية ـ جغرافية...) تود طرحها في موقع أبحاث العلامة الإنساني محمد أمين شيخو، ضمن قسم (قضية للحوار) لمناقشتها, وذلك بغية الوصول إلى جوابٍ شافٍ ورأيٍ صائب... ما عليك سوى إرسالها إلينا ليتم عرضها والبحث فيها.
طـلـب تـأويــل آيــــة اقـتـرح قضيـة للحـوار سـؤالك وجـواب الموقـع تجـربتـك مـع الحجـامـة مكـتبــة الـجـــوال قريبـــــــاً